أبي منصور الماتريدي

21

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

تخصيصه أجري على خصوصه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ . يحتمل أن يكون معناه ، أي : لا يفقهون ؛ لأنه طبع على قلوبهم ، وإلا لم يعرضوا عن الحق والآيات ، وذلك بأنهم كانوا يظنون أنهم كانوا على الحق ، فأخبر أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم حتى ظنوا أنهم على الحق ، وجعلوا جميع همتهم في المنافع والمضار الدنيوية ، وإلا لو فقهوا أن لله دارا أخرى يجازون فيه بأعمالهم ، لعلموا أنه لا بد من دين يدينون به ، ولم ينظروا إلى منافعهم ومضارهم ، والله المستعان . ويحتمل : أي : لا يفقهون عن الله تعالى ، وأن تعبدهم وأمرهم بطاعة رسوله واتباعه ويحتمل أي : لا يفقهون أنهم يتعبدون ، وأن لله دارا أخرى يسألهم عما فعلوا ، ويجازيهم على جميع ذلك . ثم قال هاهنا : لا يَفْقَهُونَ ، ولم يقل : ( لا يعلمون ) ؛ لأن الفقه إنما هو الذي يعرف به الشيء بالشيء ، فأخبر أنهم لا يعرفون الآخرة بالدنيا . وقال ابن الراوندي : الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره . وعندنا أن الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على غيره كان ذلك نظيرا له أو لم يكن ؛ لأن من عرف الخلق بمعناهم دله ذلك على معرفة الصانع ، ومن عرف الدنيا دله ذلك على معرفة الآخرة ، وليسا بنظيرين . ثم بين الفقه والعلم فصل من وجه وإن كانا جميعا في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد ؛ لأن العلم إنما يجلي الشيء له ، وظهوره بنفسه ، والفقه يعرف بغيره استدلالا ؛ ولذلك جاز أن يقال : الله تعالى عالم ؛ لتجلي الأشياء له ، ولم يجز أن يقال : إن الله فقيه ؛ لأنه لا يعرف الأشياء بالاستدلال ، والله الموفق . والحكمة : وضع الأشياء موضعها ، والإيقان : إنما هو يتولد عن ظهور الأسباب ؛ ولذلك جاز أن يقال : إن الله تعالى حكيم ، ولم يجز أن يقال : إنه موقن ، والله المستعان . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ . في هذا بيان أن الله تعالى قد كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان ، وأنه قد آتاهم العلم ؛ لأن حسن البيان لا يكاد يكون إلا عن علم ؛ فكأن الله تعالى ذكر نعمه التي آتاهم ؛ فإنهم لم يشكروا نعمه وأساءوا صحبتها ، فكأنه يقول : كيف ترجو منهم حسن الصحبة لك ، وإنهم لم يحسنوا صحبة نعمة رب العالمين ؟ ! فيكون [ له ] بعض التسلي ؛ لما اهتم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من سوء صنيعهم به ، وإعراضهم عن اتباعه وطاعته .